الدكتور عابدين الدردير الشريف

المتواجدون الأن

يوجد الآن 8 ضيوف يتصفحون الموقع
الرئيسيةاتصل بناالبحث
الرئيسية
هذا الموقع شخصي وليس دعائي...ولا يمول من أي جهة كانت أو أي شخص...وجميع المادة التي ستنشر هنا هي من عملي ومن خلاصة تجربتي الشخصية ورحلتي المعرفية والعلمية المتواضعة
حرية وحق التعبير في الإعلام الغربي تأملات نقدية طباعة ارسال لصديق
د. عابدين الدردير الشريف- خاص ليبيا اليوم
الأحد 16 ابريل 2006

د.عابدين الدردير الشريف
د.عابدين الدردير الشريف
 بدايةً.. أحب أن أوضح أنني لست هنا بصدد عملٍ هجائي فكري أيديولوجي أو سياسي تجاه المنظومة الفكرية والسياسية الغربية، أو هجاء أقدس ما فيها وهي "الحرية" بدون وعيٍ أو إدراك مني بقدر ما هو قراءة نقدية واعية لحضارة الآخر. وللحق أقول: إن في الغرب أشياء كثيرة جميلة وهناك منجزات عظيمة ينعم بها أبناء الغرب، وهي بكل حق مفخرة لهم، كحفاظهم على بعض حقوقهم، وكراهيتهم للظلم، وحبهم للعدالة الاجتماعية، والتزامهم بقوانينهم إلى حد كبير، واحترامهم إلى حد ما للحرية. عموما يلاحظ  العديد من الخبراء والمحللين اليوم بقلق عميق واستياء بالغ لسياسات الكيل بمكيالين والازدواجية في التعامل الإعلامي مع بعض الأحداث والقضايا الدولية مثل النمط المتواصل من التجديف وانتهاك العقائد والمقدسات والرموز والحرمات التي ترتكب باسم حرية التعبير والتي قامت بها بعض الصحف في أوروبا، التي أعادت نشر الرسوم الساخرة المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم التي بدأت في صحيفة دنماركية في شهر سبتمبر الماضي من العام 2005 ف. فقد ساهمت هذه الرسوم الساخرة التي نشرت في تأجيج أجواء الكراهية وفقدان الثقة وضللت الرأي العام في أوروبا وأجزاء أخرى من العالم باسم الحريات والحقوق وهي هنا تقوض العلاقات بين الدول و بين أتباع الأديان وهو ما لا يمكن أن يفضي، للأسف الشديد كما بقول الخبراء والمحللين إلا للمواجهة والعنف وزيادة التطرف. نعم إننا نؤمن وبشدة  بأنه لا يوجد رأيان حول حرية التعبير ولكن أيضا علينا أن نقول إن حدود حرية التعبير يجب أن تراعى وهي التي قد عُرِّفَت بالفعل كما حدث في بعض أجهزة الإعلام الغربية من مراعاة طوعية لاحترام رموزهم ومقدساتهم وشخصياتهم. إن حرية وممارسة حق التعبير يمثلان كذلك أهدافا سياسية هامة للدول الإسلامية. ولكن عندما ينسب شخص لنفسه حق المحافظة على حرية التعبير وفي الوقت نفسه يسئ استخدام الحق نفسه للإساءة للآخرين، يكون في الأساس قد استخدم ذلك درعاً للحض على الكراهية التي هي بالتأكيد سيكون لها آثار سلبية عالمية.
إن حرية الرأي والتعبير والصحافة التي نؤمن بها ونكفلها ونحترمها لا ينبغي أن تكون ذريعة للنيل من المقدسات والمعتقدات والمحرمات والرموز والأديان. إننا نعرف إن مبدأ حرية الصحافة الذي تدافع عنه السلطات الغربية في كل أنحاء العالم لا يمكن المساس به لكنه ينبغي ممارسته بذهنية تقبل الآخر وباحترام المعتقدات والمقدسات والرموز وبالتالي الديانات.  وهذا يعني إننا لا نريد المساس بحرية التعبير أو بحرية الصحافة، ولكننا ندعو إلى ممارسة هذه الحرية « بعقلية تقبل الآخر ». أي أن حرية الصحافة يجب أن تكون حرية مسئولة ولا تمس المقدسات والعقيدة, وذلك ببساطة لأننا نؤمن بأنه قد باتت حرية التعبير واحدة من لوازم الحديث عن حاضر ومستقبل العالم ككل. وهذا يعني فيما لا يدع مجالا للشك بأن حرية التعبير هي من أهم حقوق الإنسان الواجب احترامها وكفالتها‏ وهذا يعني أيضاً إن حرية التعبير تنطوي على مسؤوليات  ملقاة على عاتق الجميع.
في البداية نجد إنه لزاما وواجباً علينا أن نضع هذه المقدمة كاستهلال للحديث, عموماً تعد الحرية من أهم شعارات الدول الغربية وثوراتها مثل الثورة الفرنسية ومن أهم العناوين التي استخدمتها فرنسا - كما استخدمها الغرب– من أجل نشر قيمها وتحقيق مصالحها وبناء علاقاتها ومواقفها الخارجية مع الدول والحضارات المختلفة على أساسها. والتصريحات لبعض مسئولي الدول الغربية نوردها هنا كمثال علي ذلك:( لفت نائب وزير خارجية النرويج ريمون جوهانسن)أنه لا يجب أن ينسى أحد أن حرية التعبير مصانة في البلدان المتقدمة.
كما ( أوضح الناطق باسم المفوضية الأوروبية " أننا في مجتمع ديمقراطي يحترم حرية التعبير ولن نستطيع أن نطلب من الصحافة الدانمركية أن تتوقف" وشدد على أن "حرية التعبير تعتبر من القيم الأساسية التي تحرص عليها المفوضية الأوروبية"، وذلك "بصرف النظر عن موقفها الخاص ).
أننا حقا نقف باستغراب واندهاش أمام كم النفاق والجرأة تحت بند "حرية التعبير"المزعومة ولكي نكون نتمتع بدرجة عالية من الموضوعية نضع هذا التصريحات في الميزان ونرى إلي أي درجة حقاً تتمتع بالمصداقية: لكي أكون منصفاً وصادقا في نفس الوقت سأتحدث هنا بالأدلة وبالوقائع والأحداث التي حدثت في الماضي وهل هي صادقة وواقعية وتربط الأفكار والشعارات التي ينادون ويدعون إليها بها بالممارسة والتطبيق أم تعكس الوجوه العديدة والمنافقة والمتناقضة في نفس الوقت وتعكس كذلك سياسات الكيل بمكيالين لحرية التعبير التي يدعون المناداة بها والتمسك بها. والحقيقة التي يجب أن نقولها هي: إن الحرية في الغرب تتمتع بمساحة كبيرة ولكنها ناقصة ومشوهة ودون مستوى الشعارات البراقة التي ترفعها كثير من الدساتير الغربية وتنادي بها مواثيق حقوق الإنسان. يقول الكاتب الساخر (إدواردو غاليانور) ناقدا في هذا الصدد حرية التعبير والديمقراطية الغربية بأن:"الأسواق الحرة تسمح لنا أن نقبل الأسعار المفروضة علينا، وحرية التعبير تسمح لنا أن نصغي لأولئك الذين يتحدثون باسمنا، والانتخابات الحرة تسمح لنا أن نختار المرق الذي نُـؤكل به!!". ومصداقا لهذا القول يمكننا أن نطرح التساؤل التالي:هل تسمح حرية التعبير الغربية بالحديث عن قضايا مثل جرائم أمريكا وإسرائيل أو حادث مثل المحرقة، أم أن حرية التعبير تلك صالحة فقط لإهانة القيم المقدسة لدى الأديان السماوية مثل محرمات الدين الإسلامي؟". في محاولة للإجابة علي هذا السؤال نورد فيما يلي بعض الوجوه المتناقضة والمنافقة لمبدأ حرية التعبير التي يدعو الغرب إليها وضرورة احترامها و‘ن حرية التعبير لا حدود لها. الأمثلة للنماذج أو للوجوه التالية تؤكد أن لحرية التعبير لدى الغرب وجوه عديدة وتستخدم حسب مقتضى الحال وهي تعكس السقوط المدوي للغرب ولمرات عديدة في تناقض مع أحد المبادئ الأساسية التي قامت عليها. وفيما يلي استعراض موجز لبعض وقائع ووجوه ((حرية التعبير)) المتناقضة  في الغرب:
الوجه الأول:
            الزوبعة التي افتعلتها السفارة الأمريكية في القاهرة حول كتابات د. رفعت سيد أحمد عن "المحرقة" اليهودية في صحيفة اللواء الإسلامي، الناطقة بلسان الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مصر، اعتماداً على مراجع غربية كثيرة، منها مثلاً كتابات اليهودي الألماني جوزف غينزبرغ الذي أنكر وجود غرف غاز لحرق اليهود أصلاً، فقتل قتلاً خلال زيارة لقبر زوجته في ميونخ، بعدما هاجر من "إسرائيل" إلى أمريكا. هذه الكتابات شكلت سابقة تدخل سياسية وإعلامية خطيرة أدت إلى:
1) إقالة رئيس تحرير اللواء الإسلامي محمد الزرقاني من منصبه،
2) منع د. رفعت سيد أحمد من متابعة الكتابة فيها،
3) نشر اعتذار رسمي لوزير الإعلام المصري في الجريدة نفسها أعلن فيه تمسك المصريين وتعاطفهم، حسب زعمه، مع "المحرقة"!
عموما نستنتج مما سبق بأن التدخل الأمريكي-الصهيوني في شؤون الصحافة المصرية، وهذه ليست المرة الأولى ينم عن الآتي:
1- تعدٍ على حرية الرأي والتعبير في الإعلام المصري.
2- تدخل سياسي سافر في شؤون دولة (حليفة؟) ذات سيادة.
3- "إصلاح" الإعلام العربي ضمن سياق مشروع "الشرق الأوسط الكبير"،
4- فإنه ينم قبل ذلك كله عن أهمية أساطير "المحرقة" في أيديولوجية الهيمنة الإمبريالية- الصهيونية على العقل العربي، وبالتالي على الأرض والشعب والثروات العربية.
 والسؤال المطروح الآن على الذين يدعون أن "المحرقة" لا شأن لنا بها هو: لماذا تلقي بعض الحكومات الغربية رسمياً بكل ثقلها ضد مقالتين في صحيفة عربية كان يمكن أن يمرا مرور الكرام لولا خطورة الموضوع؟!
الوجه الثاني:
            معهد سيمون ويزنثال نفسه قد شن حملة شعوا على رابطة الكتاب الأردنيين في نهاية ربيع عام 2001 بسبب إعلانه عن ندوة حول "المحرقة" أدت لتأجيلها قسراً مرتين إلى أن سمح بعقدها في المرة الثالثة. 
الوجه الثالث:
المؤرخون الذين يرفضون التزييف اليهودي لوقائع التاريخ، واحداً تلو الآخر يتم التخلص منهم ويتم إسكات أصواتهم لأنها تتعارض مع برنامج للسيطرة على العقول وقد أتقن صياغته أناس يسيطرون على العالم من خلال السيطرة على المال. والآن هناك ثلاثة من هؤلاء المؤرخين (الجدد) هم: ايرنست زاندل وغيرمار رودولف وديفيد ايرفينغ تتم جرجرتهم في المحاكم الأوروبية متهمين بجرائم لا يسمح لمرتكبيها حتى الدفاع عن أنفسهم.
الوجه الرابع:
            قرار السلطات الهولندية تعليق بث قناتين فضائيتين عربيتين إحداهما قناة "المنار" اللبنانية، في هولندا بحجة إنهما تحثان على "الكراهية"، وفقا لما أعلنه وزير العدل بيت هاين دونر. وقال المتحدث باسم وزارة العدل ارنود ستريبيس لوكالة فرانس برس "تم وقف بث قناة المنار اللبنانية في هولندا لأنها تبث رسائل معادية للسامية وراديكالية".
الوجه الخامس:
             قررت إسبانيا وقف بث قناة "المنار" اللبنانية إلى أميركا اللاتينية ـ حسب ما أعلنته وزارة الصناعة الإسبانية وأبلغت الحكومة الإسبانية شركةً للأقمار الاصطناعية بأن تلغي تعاقدا وُقّع مع وحدة تابعة لشركة فرنسية لنقل إرسال المحطة إلى أميركا اللاتينية.وقال وزير الصناعة الإسباني "خوسيه مونتييا": إن الحكومة اتخذت قرار منع البث بشكل فوري ـ عبر القمر الاصطناعي "يسباسات"ـ لعدم حصول القناة على إذن إداري.
الوجه السادس:
هناك أكثر من خمسين قناة في أوروبا تبث مواد محرضة على الكراهية ضد كثير من الأعراق والأجناس والأديان ولا أحد يطالب بمنعها.
الوجه السابع:
إغلاق بث قناة المنار في كل من فرنسا وأستراليا بسبب عروض لبعض المسلسلات الدرامية. 
جريمة قناة المنار اللبنانية:
(1)        بثّت القناة صورة تظهر مثالا لتمثال الحرية وهو ينزف دما، مرافقة لصور أخرى تظهر الزعيم النازي أدولف هتلر محاطا بقواته إلى جانب الرئيس الأمريكي جورج بوش وقوات بلاده.
(2)        عرض مسلسل "فارس بلا جواد" اشتعلت الأزمة فجأة... وتحول عرض مسلسل "فارس بلا جواد" إلى قضية دبلوماسية... "فإسرائيل" تعلن الغضب على التليفزيون المصري الذي أنتج العمل وأمريكا تدير حملة عدائية. أن المسلسل يقع في 30 حلقة... ورغم أن المسلسل لا يتطرق إلى اليهود إلا في مشهدين إلا أن الدوائر السياسية في إسرائيل تتهمه بأنه يتضمن تحريضا من خلال مضمون الكتاب... ووصفت صحيفة معاريف المسلسل بأنه عمل إنتاجي ضخم حيث تكلف إنتاجه أكثر من مليون ونصف مليون دولار ظهر فيه أكثر من 630 ممثل. ولم تكن " إسرائيل" وحدها التي أعلنت غضبها وسخطها من مسلسل "فارس بلا جواد" فقد تدخلت أمريكا وشنت حربا دعائية مضادة واعترضت الحكومة الأمريكية على العمل الفني قبل عرضه بدعوى أن المسلسل يتناول الكفاح العربي ضد حكم الاستعمار وإقامة دولة إسرائيل.
(3) عرض مسلسل "الشتات" في نوفمبر 2003 عبر القمر الصناعي الأوروبي "يوتلسات مسلسل الشتات والذي يروي تاريخ اليهود والحركة الصهيونية بين 1912 و 1948 ويعرض هذا المسلسل تاريخ الحركة الصهيونية وأحداثه مستوحاة من كتاب "برتوكولات حكماء صهيون".  في مؤتمر صحفي عرض المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا مقاطع من مسلسل "الشتات" الذي عرضته القناة السالفة الذكر لأول مرة خلال فترات الذروة أيام شهر رمضان في أكتوبر عام 2003.  واتهم المسئول اليهودي مسئولي القناة بمحاولة إطلاق المشاعر المعادية للسامية. وكان مسلسل الشتات الذي أثار زوبعة من الاعتراضات لأنه يركز على المؤامرة الصهيونية للتحكم في العالم. وتدور أحداث المسلسل الذي تألف من 26 حلقة حول المجتمع اليهودي في مطلع القرن الماضي وبداية تأسيس الحركة الصهيونية وسعيها لبناء دولة إسرائيل. وتجميع الشتات اليهودي والسياسات التي استخدمها الصهاينة الأوائل مع الدول الأوروبية للحصول على وعد بلفور. والمسلسل من إخراج المخرج الفلسطيني عزمي مصطفى ومن إنتاج شركة لين للإنتاج الفني وتم تصويره في عدد من المدن السورية كدمشق وحلب وطرطوس. ولا علاقة لمسلسل الشتات ببـروتوكولات حكماء صهيون كما ادعت المنظمات اليهودية. بل استند في كتابته على 52 مرجعاً يهودياً. والقضايا المثارة فيه منقولة من وجهة نظر كتاب إسرائيليين ويهود. إلا أن الحلقات التي أثارت انتقاداً واسعاً كانت تلك التي حوت مشهداً يظهر فيه أحد أفراد عائلة روتشيلد على فراش الموت وهو يقول بأن اللـه أمر اليهود بأن يحكموا العالم بالمال والسياسة والقتل والجنس أو بأية وسيلة أخرى. ومشهد آخر ظهر فيه رجل دين يهودي يقتل طفلاً مسيحياً ليصنع من دمه فطير صهيون الذي يتقاسم اليهود أكله. وهي الصورة الكلاسيكية التي كانت شائعة عن اليهود في القرون الوسطى. وكان هذا المسلسل السبب في قيام المجلس الأعلى الفرنسي للمرئي والمسموع برفع طلب بتعليق بث قناة "المنار  أمام مجلس الدولة (أعلى سلطة قضائية في فرنسا).  وكانت القضية قد تفجرت في نوفمبـر 2003 بشكوى تقدم بها مجلس المؤسسات اليهودية في فرنسا اعتراضاً على عرض المسلسل بعد أن وجه رئيس المجلس النيابي للمؤسسات اليهودية الفرنسية روجر كوكيرمان نداء يمنع بث محطات التلفزيون المصرية والسورية التي تنقل بـرامج اعتمدت على بـروتوكولات حكماء صهيون ووصف مشاهد مسلسل الشتات.
(4) وبناء عليه قام المجلس الفرنسي الأعلى للإعلام المرئي والمسموع بـرفع الشكوى إلى المحكمة الإدارية العليا للمطالبة بوقف بث قناة المنار في فرنسا، في ذلك الوقت أبدى رئيس المجلس الفرنسي الأعلى للإعلام المرئي والمسموع دومينيك بودي اعتراضاً عاماً على بعض الصور والحوارات التي تبثها شبكات تلفزيونية إلى فرنسا عبـر الأقمار الصناعية ووصفها بأنها غير مقبولة تماماً وبأنه لا يمكن احتمالها. وتصاعد الأمر عندما قرر المجلس رفع شكوى أمام مدعي عام الجمهورية في باريس لوضع حد نهائي لقيام محطة أجنبية ببث مسلسلات تلحق الأذى باحترام الإنسان وتحديداً مسلسل الشتات الذي كانت تبثه المنار. وفي 9 يوليو2004 صدر قرار من المجلس الأعلى للإعلام الفرنسي إلى رئيس شركة أوتلسات التي تملك القمر الصناعي بمنع قناة المنار من البث.
ولا شك في أن فرنسا من الدول التي نذكر الحرية كلما ذكرناها، فباريس كما توصف عادة هي عاصمة النور، والحرية وهي الضلع الأول في مثلث مبادئ الثورة الفرنسية «حرية ـ إخاء ـ مساواة»،  ومنذ عام 1881م كما تذكر المصادر التاريخية والقانون الفرنسي يتيح حريات واسعة للنشر، مبررا اتجاهه نحو توسيع دائرة الحرية في مذكراته التفسيرية بأنه «من العار أن نمنع أنسانا من إبداء رأيه بعد أن بلغنا ما بلغناه من تقدم»، ومرة أخرى نؤكد إن هذا الكلام مكتوب في عام 1881م ! لكن كل هذا التاريخ والمبادئ العظيمة يبدو إنها لا تستطيع الصمود أمام الضغوط الصهيونية، تلك الضغوط التي نجحت في استصدار قانون «غيسو» وبمقتضاه أصبح أدنى انتقاد للعنصرية الصهيونية أو ما يعرف بالهولوكوست أو جرائم سلطات الاحتلال في فلسطين عملا يستوجب العقاب الذي يبدأ بالتوبيخ وينتهي بالمنع والمصادرة مرورا بالغرامة والسجن وإلغاء تصريح الإقامة إن كان المتهم أجنبيا يقيم في فرنسا.  وبموجب هذا القانون جرت محاكمة المفكر روجيه جارودي أهم فيلسوف فرنسي معاصر، وروبير فورسون المؤرخ الكبير، بل إن القانون تجاوز نطاقه الجغرافي ليطال الصحافيين المصريين منهم إبراهيم نافع وعادل حمودة بسبب مقال نشرته صحيفة الأهرام! وبمقتضى قانون «غيسو» أيضا اتخذت الحكومة الفرنسية قرارا بمنع بث قناة «المنار» اللبنانية إلى دول الاتحاد الأوروبي كما رأينا سابقاً مع العلم بأن المتصفح لموقع المجلس الأعلى الفرنسي للصوتيات والمرئيات على «الانترنت» سيجد إن قناة «المنار» كانت القناة الوحيدة بين 150 قناة تبث على القمر الأوروبي «يوتلسات» التي أفصحت بكل دقة ووضوح عن مصادر تمويلها ونفقاتها، وهي القناة الوحيدة التي وقعت اتفاقا مع المجلس يضمن التزام القناة بـ«قيم الجمهورية»، لكن هذا كله لم يشفع لها أمام شكوى تقدمت بها «إسرائيل» لتصبح «المنار» القنـــاة الوحيدة التي يمنع بثها إلى دول الاتحاد الأوروبي بقرار فرنسي حتى انضمت إليها قناة «سحر 1»
الوجه الثامن:
 يسود قلق أوروبي غير مفهوم إزاء استخدام "قناة الجزيرة" و"قناة المنار" لحق التعبير الحر ولعل هذا القلق يفسر تجاهل الرأي العام للمتاعب القضائية التي تعترض القناتين في مدريد وباريس كما يفسر تهجم بعض وسائل الإعلام الأوروبية على القناتين والتعامل معها بوصفها غير جديرة بالانتماء إلى فضاء الصحافة الحرة. وليست قضية علوني منفصلة عن قناة الجزيرة إذا كان متهما بانتمائه السياسي باعتبار كما يقول البعض أن بنية المحطة ترتكز إلى تعددية واضحة في الحساسيات السياسية للعاملين فيها ولعل هذه التعددية هي أحد أبرز أسباب نجاحها. وليست قضية علوني كما يقول البعض أيضا منفصلة عن الجزيرة إذا ما كان متهما اعتباطا بالإرهاب فهي أيضا متهمة اعتباطا بنشر الإرهاب وممنوعة لهذا السبب من العمل في بعض الدول. ولا تنفصل قضيته عنها في الحديث عن التجاوزات العادية فهي أيضا عرضة لاتهامات غير مؤكدة من طرف كل منافسيها. إن محاكمة علوني في أسبانيا هي بهذا المعنى محاكمة للجزيرة و تحتاج إلى دليل وليس إلى إشاعة.
الوجه التاسع:
تساهل المجلس الأعلى للإعلام المرئي والمسموع الفرنسي بالتحيز تجاه محطات فرنسية تبث بـرامج معادية للإسلام والعرب، كما حدث عام 2001 عندما عرضت محطة فرنسية فيلماً اعتبـرته بعض البلدان العربية والإسلامية مهيناً،
الوجه العاشر:
كتاب "كفاحي" لهتلر يحظر بيعه أو شراؤه أو طباعته داخل الحدود الألمانية، كما تحظر طباعته أو توزيع أي مقالات أو كتب مؤيدة للنازية بأي شكل من الأشكال، بل وتحظر حتى الهتافات النازية ولو على سبيل المزاح!!.. وهذا الحظر هو سبب المشكلة التي تعرض لها لاعب الكرة المصري (هاني رمزي) في ألمانيا حين قام بإلقاء التحية النازية المشهورة على سبيل المزاح في إحدى الحفلات.
الوجه الحادي عشر:
الناشر الألماني الذي نشر الترجمة الألمانية للكتاب الأمريكي "العين بالعين " المنشورة عام 1993، قام بسحب وتدمير كل نسخ الطبعة الألمانية من الأسواق تجنباً للوقوع تحت طائلة القانون أو إثارة غضب الرأي العام، وذلك لأن الكتاب يزعم أن ستالين كان يتعمد اختيار اليهود للقيام بالأعمال البوليسية السرية في بولندا بعد الحرب العالمية الثانية.
الوجه الثاني عشر:
يحظر القانوني الدانمركي أي تهديد أو إهانة أو حط من شأن أي إنسان بصورة علنية ولو كان شاذاً جنسياً،
الوجه الثالث عشر:
لا يزال يعمل بالقانون الذي يمنع سب المقدسات BIASPHEMY LAW في إنجلترا.. من أجل ذلك حينما أعلن مخرج دنماركي اعتزامه إخراج فيلم في إنجلترا عن "الحياة الجنسية" للمسيح، أدى ذلك إلى موجة غضب عارمة في المؤسسات الدينية الأوربية وعلى رأسها الفاتيكان وأسقفية كانتربرى، وقام رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت (جيمس كالاهان) بالتحذير من أن أي محاولة لإخراج مثل ذلك الفيلم في إنجلترا سوف تكون عرضة للمحاكمة تحت طائلة قانون سب المقدسات، مما أثنى المخرج فلم يتم إنتاج الفيلم.
الوجه الرابع عشر:
في يونيو 1976 قامت جريدة GAY NEWS الخاصة بأخبار الشواذ جنسيا من الرجال بنشر قصيدة للشاعر البريطاني (جيمس كيركوب) يصف فيها المسيح عليه السلام بطريقة غير لائقة، مما أثار غضب اتحاد المشاهدين والمستمعين الإنجليز والذي يتولى الرقابة الشعبية على كل ما ينشر في الصحف أو يعرض في وسائل الإعلام والأفلام السينمائية، وقامت رئيسة الاتحاد بمقاضاة رئيس تحرير الجريدة والشركة التي تملكها وتتولى نشرها بتهمة سب المقدسات.. وبالفعل تمت المحاكمة في شهر يوليو عام 1977، وبالرغم من محاولات الدفاع المستميتة في إقناع المحلفين أن القصيدة لم تعن أو تقصد أي إساءة للدين المسيحي، إلا أن هيئة المحلفين لم تقبل هذا الدفاع وأدانت الصحيفة بأغلبية عشرة أصوات مقابل صوتين بتهمة امتهان مشاعر المسيحيين في إنجلترا والإساءة إلى مقدساتهم.. وقد استأنفت الصحيفة الحكم عام 1978 أمام محكمة الاستئناف الإنجليزية التي أقرت حكم المحكمة الابتدائية، ثم عام 1979 أمام القسم القضائي بمجلس اللوردات البريطاني والذي يمثل أعلى سلطة قضائية في بريطانيا فخسروا للمرة الثالثة، حيث أقرت المحكمة البريطانية العليا الأحكام السابقة الصادرة ضد رئيس تحرير الصحيفة وناشرها. بعد حكم المحكمة العليا وقعت عدة محاولات لإنهاء العمل بقانون سب المقدسات من خلال مجلس العموم البريطاني، إلا أن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل، حيث لم يقبل مجلس العموم ولا مجلس اللوردات أي مساس بذلك القانون، بالرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجهت له من قبل بعض النواب، من أنه يحمي الديانة المسيحية فقط من السب ويهمل باقي الديانات الموجودة داخل بريطانيا، وأنه يعاقب على المساس بالمقدسات المسيحية دونما نظر أو مراعاة لقصد أو نية الشخص المتهم بسب المقدسات.. بعد ذلك تمت محاولات أخرى لتوسيع دائرة العمل بالقانون كي يعاقب على سب مقدسات الديانات الأخرى في إنجلترا ولكن كل تلك المحاولات باءت أيضا بالفشل.
الوجه الخامس عشر:
في عام 1988 بعد نشر كتاب "آيات شيطانية"، حاول المسلمون في بريطانيا استخدام قانون حظر سب المقدسات ضد المؤلف (سلمان رشدي) ولكنهم فشلوا في ذلك، لأن القانون يعاقب على سب المقدسات المسيحية فقط، وبالتالي فإن (سلمان رشدي) لم يكن خارجا عن أية قوانين بريطانية حين أهان المقدسات الإسلامية!!!
الوجه السادس عشر:
الطريف في الأمر أن بريطانيا التي سمحت بنشر وتداول الكتاب بدعوى حرية التعبير، قامت بعد ذلك بمنع دخول فيلم باكستاني يسخر من سلمان رشدي وكتابه!!
الوجه السابع عشر:
عام 1989 قامت هيئة الرقابة على المصنفات الفنية البريطانية برفض عرض فيلم وثائقي عن الراهبة (تيريزا) ـ التي عاشت في بريطانيا في القرن السادس عشر ـ على شاشات التلفزيون البريطاني، بسبب محتوى الفيلم الذي يمكن تأويله على أنه إهانة للدين المسيحي.
الوجه الثامن عشر:
في يناير 1998، تمت محاكمة (روجيه جارودي) بسبب كتاب "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" وتغريمه 20 ألف دولار.. ولكن الأمر لم يقتصر على هذا، فقد تلقى جارودى عدة مكالمات هاتفية تهدّده بالقتل، وتم الاعتداء على المكتبات التي تبيع كتبه حتى امتنعت عن ذلك.. كما اعتدي على ناشر الكتاب ونهبت مكتبته وألقيت قنابل مولوتوف على المكتبة التي يمتلكها بأثينا.. وتم الاعتداء على مجموعة من الصحفيين العرب والإيرانيين على عتبة المكتبة ثم طوردوا حتى مترو الأنفاق، حيث أصيبوا إصابات استلزمت نقلهم إلى المستشفى.. الأسوأ من ذلك كله أن الصحافة الفرنسية التي هاجمت جارودي وكتابه ومحاميه بكل قسوة، لم تنشر أي مقال أو خطاب فيه تأييد لجارودي.. حتى الخطاب الذي أرسله الأب بيير (الذي يحظى بشعبية هائلة في الشارع الفرنسي لدرجة اعتباره أكثر الأشخاص شعبية في فرنسا كلها) لجريدة لوموند تأييدا لجارودي لم ينشر.. وهكذا أعطت الصحافة الفرنسية انطباعا لدى الرأي العام أن جارودي لا يؤيده أحد في العالم!!
الوجه التاسع عشر:
مقاطعة دي تور السويسرية منعت كتاب "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" من التداول, وحكمت محكمة على ناشر عرَضَ الكتاب بالسجن أربعة أشهر.
الوجه العشرون:
منع عرض الفيلم الأمريكي "الإغراء الأخير للمسيح" في عدة دول أوربية، حيث صوّر المسيح عليه السلام بطريقة أثارت استياء الكثيرين من المسيحيين.. وقدّم مخرج الفيلم للمحاكمة في روما بسبب الفيلم.
الوجه الحادي والعشرون:
قامت شبكة تليفزيون CTV الكندية باستضافة "جوزيف ليبد" (المعلق السياسي الإسرائيلي) صباح يوم 15/ 10/ 1994.. وقد دعا ليبد على الهواء مباشر يهود كندا لأن يقوم أحدهم باغتيال فيكتور أوستروفوسكي (ضابط الموساد الذي ألف كتابين كشف فيهما عن العمليات السرية للموساد).. المذهل في الأمر أن حادثا مثيرا مثل هذا قد شهد صمتا مطبقا من قبيل الإعلام الكندي, لدرجة أن نفس الكتّاب والمعلقين الذي دافعوا بحماس بالغ عن حق سلمان رشدي في التعبير الحر، لم ينطقوا بكلمة واحدة لتأييد حق أوستروفوسكي في التعبير!!
الوجه الثاني والعشرون:
تم منع عرض مجموعة من الأفلام الوثائقية التي قام بإعدادها الصحفي البريطاني البارز روبرت فيسك لأنها أثارت غضب اللوبي الصهيوني في أمريكا والذي هدد شبكة التلفزيون بسحب الإعلانات منها.. والسبب وراء هذا الغضب الصهيونيّ، هو أن مجموعة الأفلام التي أعدها روبرت فيسك والتي كان عنوانها "جذور غضب المسلمين" اتهمت (إسرائيل) بأنها السبب الرئيسيّ وراء نقمة المسلمين على الغرب.. والجدير بالذكر هنا أن ننوّه إلى أن روبرت فيسك قد حصل على جائزة الصحافة البريطانية لعام 1995 كأحسن صحفي بريطانيّ قادر على عرض وتحليل الأخبار السياسية الدولية.
الوجه الثالث والعشرون:
عام 1972 بعد طبع أحد كتب العالم الأمريكي الشهير (نوم تشومسكي) الذي تصفه بعض الصحف كصحيفة "النيويورك تايمز" بأنه يعتبر أهم مفكر في العالم حاليا علمت الشركة المالكة لدار النشر التي قامت بنشر الكتاب بمحتواه، والذي لم يرق لأعضاء مجلس إدارة الشركة، فقاموا بإيقاف توزيع الكتاب وسحبه من الأسواق وتدميره.. ومن المعلوم أن شبكات التلفزيون الأمريكية قلما تتجرأ على استضافة (نوم تشومسكي)، وذلك بسبب آرائه التي دائما ما تزعج القادة والساسة الأمريكيين والإسرائيليين.
الوجه الرابع والعشرون:
قام رئيس مجلس النواب الأمريكي (نيوت جنجرييتش) بفصل مؤرخة تعمل بالمجلس، حين علم أنها سبق أن قالت: "وجهة نظر النازيين بصرف النظر عن عدم شعبيتها لا تزال وجهة نظر، ولا تأخذ حقها في التعبير".
الوجه الخامس والعشرون:
الممثلة البريطانية الشهيرة (فانيسا ريد جريف) لم يسمح لها بأداء دورها في مسرحية كوميدية بريطانية أثناء عرضها في أمريكا بسبب تصريحاتها المعادية للتدخل الأمريكي ضد العراق في حرب الخليج.. ومن الجدير بالذكر أن أعمالها الفنية كثيرا ما تتعرض للمقاطعة أو الإلغاء من العرض في أمريكا بسبب آرائها المعادية للصهيونية وسياسات (إسرائيل).
الوجه السادس والعشرون:
أغلقت فرنسا قناة سحر الإيرانية التي تبث على أحد الأقمار الفرنسية بسبب فيلم بثته القناة ، وقد عزت باريس الإغلاق إلى بث فيلم سينمائي بعنوان «عيون زهراء الزرق» يوجه انتقادات شديدة إلى أوساط يهودية وإسرائيلية والصهاينة واتهمت فرنسا هذا الفيلم بأنه معاد للسامية.
الوجه السابع والعشرون:
وللحكومة الأسترالية لها موقع على الإنترنت يتضمن وثيقة تشير فيه إلى أنواع الكتب التي يتم حظرها أو تقييد انتشارها في أستراليا، وبعض الدول الديمقراطية بما فيها النمسا وفرنسا وألمانيا وكندا قد جرمت أشكالاً متنوعة من (الكلام المكروه) والكتب المحظورة، كأنواعِ الكتبِ بما فيها الكتب التي قضى بأنها تسِّفه جماعات الأقلية.
الوجه الثامن والعشرون:
وقد أدين في الثمانينيات من القرن الماضي أرنست زونديل مرتين بموجب قوانين الأنباء الزائفة في كندا، لنشره كتابًا تحت عنوان: هل ماتت الملايين الستة حقًّا ؟ وهو كتاب صدر في عام 1974م ينفي ما زعمه اليهود بأنه إبادة لهم. في الاستئناف، وجدت المحكمة الكندية العليا أن قانون (الأنباء الزائفة) غير دستوري في عام 1992م، غير أن زونديل يحاكم حاليًا بموجب قانون (حقوق الإنسان) الكندي لنشره كتابًا ومادة أخرى عن منهجه.
الوجه التاسع والعشرون:
كما أن مسرحية تاجر البندقية لشكسبير قد منعت في مدارس ميدلاند بولاية ميتشجان في عام 1980م، بسبب تصويرها لشخصية اليهودي شايلوك وكانت قد حظرت من قبل في ولايات أخرى، كما تعرضت مسرحيّات شكسبير للتطهير من الكلمات والعبارات الفجة.
الوجه الثلاثون:
حكم  إحدى المحاكم النمساوية يوم الاثنين 20 فبراير 2005 على المؤرخ البريطاني " ديفيد ايرفنغ " بالسجن ثلاثة أعوام لإدانته بإنكار محرقة الهولوكست . وقد صدر هذا الحكم في ختام هذه المحاكمة التي عقدت ليوم واحد ولم تتجاوز ساعات معدودة.  وذكرت وكالة الصحافة المشتركة الأمريكية أن المؤرخ البريطاني قد اقتيد وهو مقيد اليدين إلى المحكمة التي أدانته بتهمتي تزوير التاريخ وترويج المزاعم في كتاب آلفه حول دور ألمانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية .. وفي خطابين ألقاهما في النمسا عام 1989 مسيحي أتهم أنه نفي فيهما وقوع المحرقة .كان " أيرفنغ " قد اعتقل العام الماضي ووجهت له تهم بموجب القانون الاتحادي النمساوي الذي يجرم التقليل أو النفي أو التبرير للمحرقة . وقد رفضت محكمة فيينا الإفراج عنه بكفالة بعد اعتقاله في ذلك التاريخ . ويعد الحكم الذي أصدرته المحكمة النمساوية بحق هذا الكاتب والمؤرخ البريطاني هو الثاني الذي يصدر ضده بسبب نفس التهمة .  إذ كانت محكمة ألمانية قد أصدرت عليه حكماً بتغريمه بمبلغ ستة آلاف دولار عام 1992 مسيحي بسب إصراره على نفي حدوث هذه المحرقة وأن الحديث عن وقوعها ليس سوى خدعية . ويأتي الحكم الصادر على هذا الكاتب والمؤرخ البريطاني في غضون أيام من انعقاد الجلسة الثانية لمحاكمة الكاتب الألماني " أرنست تسوندل " أمام محكمة بمدينة مانهاين الألمانية بتهمة إنكار ( الهولوكست ) حيث وجهت له تهمتا التحريض العنصري والإساءة للموتى بسبب كتاباته العلمية عن الهولوكست في صفحته الخاصة على شبكة المعلومات الدولية ( الإنترنت ) ، ومن خلال رسائل إلكترونية كان يكتبها من منفاه في كندا .
الوجه الحادي والثلاثون:
وأخيراً وليس بأخر كشفت الصحفية غولاديس فوشيه Gwladys Fouché في صحيفة الغارديان البريطانية الاثنين 6 فبراير 2006 أن الصحيفة الدنماركية يلاندس-بوستن Jyllands-Posten  التي كانت أول من نشر الرسومات الكاريكاتيرية الساخرة من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والتي أثارت زوبعة عارمة من الاحتجاج في العالمين العربي و الإسلامي... رفضت قبل ثلاث سنوات نشر رسومات تسخر من شخص عيسى المسيح عليه السلام بحجة أنها تسيء للقراء وخالية من النكتة (ثقيلة الدم (.  وقالت الصحفية أن الرسومات تناولت عودة المسيح إلى الدنيا بعد صلبه (المزعوم) وكان الفنان الدنماركي كريستوفر زايلر Christoffer Zieler عرضها على الصحيفة. غير أن المحرر ينز كايزر  Jens Kaiser رد عليه برسالة بالبريد الإلكتروني (قال فيها: "لا أعتقد أن قراء يلاندس-بوستن سيستمتعون بهذه الرسومات، بل أعتقد أنها ستثير احتجاجات عنيفة.. ولذا فلن أنشرها".ونقلت الغارديان عن الرسام قوله: "الرسومات في رأيي نوع من النكتة البريئة التي كان جدّي يستمتع بها.. وقد أطلعت عليها بعض القساوسة فوجدوها مضحكة". غير أن محرر الصحيفة كايزر أشار إلى أنه من السخف إثارة هذا الموضوع الآن ولا علاقة له بالرسومات الخاصة بالنبي محمد، حيث أننا ـ على حد قوله ـ في هذه الحالة نحن الذين طلبنا من الرسام إعداد الرسومات. أما في حالة المسيح فلم نطلب منه ذلك... وهذا هو الفرق بين الحالتين. وقال: رغم أن الفنان كان رأيه أن الرسومات مضحكة لم يكن رأيي كذلك، وشعرت بأنها سوف تسيء إلى بعض القراء....أن قرار الصحيفة الدنماركية تشتم منه رائحة "الازدواجية في المعايير"، وإلا فكيف للصحيفة أن تفرق بين الحالتين؟
إننا نقول لا شك أن حرية التعبير تشمل حــق الحث والتحريض المستفز، لكنها لا تلزم أحدًا بالاستفزاز المؤذي للآخرين. لابد من الدفاع عن حرية التعبير عندما تُهاجم، لكنها ستحظى باحترام وقبول أكثر في كل أنحاء العالم إذا مُورست بحكمة وحساسية. بيد أن الحق في حرية التعبير ليس حقاً مطلقاً – سواء بالنسبة لمعدي المواد أو لمنتقديها. فهو ينطوي على مسؤوليات، ولذا يمكن أن يخضع للقيود باسم ضمان حقوق الآخرين. وبصفة خاصة لا يمكن اعتبار أية دعوة للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضاً على التمييز أو العداء أو العنف ممارسة مشروعة لحرية التعبير. وبموجب المعايير الدولية، يجب حظر "خطاب الكراهية" هذا قانونياً.
ما سبق عرضه هي لبعض من وجوه لحرية التعبير الغربية والأمريكية المسكوت عنها ولعل أفضل من يجسد حقيقة حرية الرأي في الغرب وكمصداق لما تم عرضه يمكننا أن ندعم ما قيل بشاهد من أهلها هو الكاتب البريطاني الكبير "جورج أورويل" الذي قال) : الآراء التي ليس لها شعبية والحقائق التي لا يروق للبعض سماعها يتم إسكاتها دون حاجة إلى أي قرار رسمي بحظر التعبير عنها، في كل عصر وحين توجد مجموعة من الآراء التي يفترض أن أصحابها العقول السليمة سيقبلونها بلا نقاش وأي إنسان يحاول أن يتحدى هذه الآراء المقبولة سيجد نفسه مخرساً بكفاءة تدعو للدهشة)
عموما سلطت الأحداث التي شهدتها الشهور الأخيرة الضوء على السؤال الصعب حول ما الذي يجب أن يشكل نطاقاً مشروعاً لحرية التعبير في مجتمعات متنوعة ثقافياً. وبينما رسمت مجتمعات مختلفة حدود حرية التعبير بطرق مختلفة، إلا أن قضية الرسوم الكاريكاتورية المثيرة للجدل تبين كيف أنه في حقل الإعلام، الذي يكتسي صبغة عالمية متزايدة في يومنا هذا، يمكن لوقع تصرفات تحدث في دولة معينة أن يتجاوز كثيراً نطاق حدودها خصوصا في عصر العولمة وتقنياتها المتطورة التي ألغت ما يعرف بوحدتي الزمان والمكان. 
خلاصة القول إن عمليات الاختباء وراء منطق الدفاع عن النفس الذي جعلته الحكومة الأمريكية الدافع الأساسي لما أسمته "الحرب على الإرهاب"، جرت عملية اعتداء مفتوحة على كل مقومات الثقافة العربية والإسلامية ضمن تفسيرات مختزلة وسطحية كما يؤكد الخبراء والمحللين وتعتبر الإسلام دينا مولدا للعنف والكراهية والعنصرية ومنتجا للإرهاب، هذا الإرهاب الذي كما يقول الخبراء المختصين في هذا المجال أعطي تعريفا رخوا ومطواعا يجعله يوما صنوا لحق المقاومة، ويوما آخر رديفا لتعبير الجهاد الذي يستوعب المعرفة الإنسانية والسلام بين الشعوب ورفض جريمة العدوان والجرائم ضد الإنسانية والدفاع عن الكرامة الإنسانية.
                بعد هذا العرض الموجز نتساءل عن حرية وحق التعبير المطلقة التي ينادي بها الغرب وأين كانت غائبة إزاء ما سبق عرضه من أمثلة لبعض الأحداث والوقائع , وكيف إن الغرب انزعج من عروض لمسلسلات مرئية ومن عرض بشكل ساخر لتمثال الحرية وكيف إن الدنيا قامت ولم تقعد وأعتبر ما حدث إهانة وتحريض على الحقد والكراهية  تستوجب الاعتذار علما بأن الأمر لم يصل إلي درجة التطاول علي المحرمات والمقدسات والرموز الدينية  كما حصل في قضية الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم . قضية الرسوم الساخرة علي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم سلّطت الضوء بما لا يدع مجالاً للشك على أحد أكبر التحديات التي تطرحها حرية وحق التعبير والديمقراطية الغربية والسؤال الذي يمكن أن يطرح هو كيف يمكن مقاسمة الأدوار في مواجهة التطور السريع لوسائل الإعلام والاتصال؟ الدول الغربية بعد نشر الرسومات الساخرة من النبي محمد صلى الله عليه وسلم تقف اليوم على المحك مرة أخرى و في ظرف قياسي حيث استطاعت هذه القضية السالفة الذكر أن تصنع أكبر (معجزة) في التناقض الفعلي بين الخطاب السياسي و الممارسة في الدول الغربية وأمريكا. بهذا تكون التجربة الغربية قد سقطت في تناقض فعلي وواضح مع أحد المبادئ الأساسية التي قامت عليها وتنادي بها وتدعو إليها. وإن مفهوم الإعلام لديهم ما زال مختلطا بمفهوم الدعاية حتى في الدول التي توصف عادة بالديمقراطية واحترام الحريات والحقوق.
إذاً الدول الغربية، وباعتراف شهود من أهلها، هي شديدة الفتك بمعارضيها وإن كانت ترفع رايات حرية التعبير، ولها تاريخ وحاضر عريضين في المنع والرقابة كما رأينا سابقاً وهذا يعني إن لكل مجتمع ثوابته وأخلاقه التي يرعاها، لكن الغرب أحياناً يستخدم الرقابة في تكميم الأفواه وقصف الأقلام وإسكات الألسنة كما رأينا سابقاً.  مع العلم بأن ما ورد في هذا العرض الموجز ما هي إلا مجرد أمثلة وليست هي كل شئ ؛ وذلك لأن جلها ليست متاحة للعامة.
ما قرأته أخي القارئ الكريم من التناقض الواضح والصريح لحرية التعبير في الدول الغربية وأمريكا والمدعم بالأمثلة والشواهد ومن أهلهم أكيد آخر ما توقعته،‏ بل ربما لم  يخطر لك علي بال،‏ ذلك لأنك أخي القارئ الكريم طالعت هنا ولأول مرة وجها بوليسيا شرسا وفظا،‏ لا علاقة له بكل ما نقرأ ونعرف عن الليبرالية الغربية والأمريكية وعن قيم العالم الحر‏.‏ وإذ صدمك هذا الوجه،‏ فإن الصدمة تضاعفت حين يقال لك إن هذا الاكتشاف الذي قرأته ليس جديدا،‏ لكنه قديم مسكوت عليه‏!‏ حيث أن حرية التعبير في الدول الغربية محصورة فيما بينهم وكل ما له علاقة بحياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكل ما يتعلق بهم أما ما له صله  بغيرهم فهناك وجهة نظر حوله وهي بهذا أقصد حرية التعبير بعيدة كل البعد عن الواقع بمسافة واسعة وهي هنا (حرية التعبير) متخيَّلة فقط من ثم وكما يقول المثل( فإذا كان هناك من عتب،‏ فهو علي النظر لا أكثر‏!‏ )
 
تعليقات
أضف جديد بحث
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
 
تأكيد رقم الكود الأمني الرجاء إدخال الأرقام الموجود علي الصوره.

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

آخر تحديث ( 06/08/2009 )
 
< السابق   التالى >