| أي سر وراء دارفور؟ |
|
أ.د. عابدين الدردير الشريف
منذ صيف عام 2004 كانت قضية دار فور, وخاصة الوضع الإنساني الدقيق الناجم عن الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية, قد اجتاحت وسائل الإعلام الغربية, بحيث أصبحت موضوع لحملة توعية ضخمة, مترافقة مع ممارسة المزيد من الضغوط, وجمع الأموال, من اجل حصول تدخلات هدفها العون والمساعدة, كما لم يسبق وان شوهد مثلها منذ عقود طويلة من الزمن وهو ما أدهش الكثير من المراقبين والمتابعين للشؤون الأفريقية فلا احد ينكر مدى خطورة الوضع في دار فور وإن لأبنائها الحق كل الحق في العيش الكريم وأن تصان حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. عموما قبل الولوج في أبعاد هذه القضية, يطيب لي أن أبسط بعض التساؤلات وأخواتها التي تتزاحم في ذهني وبالتأكيد في أذهان الكثيرين حول ما يجري في منطقة غرب السودان وما هي علاقة أمريكا وبعض الدول الغربية بهذه الأزمة.وأود أن أبداء مقالتي هذه بسؤال رئيسي والذي مفاده ما هو السبب في إعطاء ذلك الكم من الأهمية لهذه الأزمة؟ في الوقت الذي تستمر فيه عملية تجاهل صراعات أخرى بنفس القدر من الأهمية والخطورة في مناطق أخرى من العالم, والعمل على إبقائها مهمشة في الظل, بدءاً بجمهورية الكونغو الديمقراطية, ووصولاً إلى ساحل العاج ومجازر روندا ؟ وعلى ذكر مجازر رواندا ؛ التي أفضت إلى مقتل أكثر من 800 ألف من قبائل الهوتو والتوتسي في منطقة البحيرات , ألم تكن هذه المجازر التي نفذت قبل أكثر من عشر سنين بكل وحشيتها هي الأجدر باتجاه أمريكيا ومن يساندها إلى حل مشكلتها قبل تفاقمها بدلا من قضية دارفور التي لم يتجاوز عدد ضحاياها وفق أكثر الإحصاءات تشاؤما 30 ألف ضحية ؟ وهل أن عقدة التوتسي والهوتو تحكم حراك القوى الدولية بشأن دارفورر اليوم وكان تأخر تدخل الأسرة الدولية في رواندا مطلع التسعينات من القرن الماضي للحيلولة دون استمرار التطهير العرقي الذي مارسته مجموعتا التوتسي والهوتو بحق بعضهما بعضا، سببا في إفناء مئات الآلاف في رواندا وهو شكل ما يعرف بعقدة الشعور بالذنب حتى لا تتكرر المأساة. أم إنها الإنسانية الأمريكية الحولاء التي لا يستثير "ضميرها الحي" إلا أصوات آلات الحفر بحثا عن النفط شريان القوة . السؤال الملح الذي أصبح يفرض تقسه على الساحة الدولية هو ما سر هذا الاهتمام الشديد من أمريكا وبعض الدول الغربية بمشكلة دار فور وتصعيدها عبر آلة الإعلام الغربية الرهيبة؟ ربما يقول البعض مرة أخرى بأنها أسباب إنسانية, قطعا الإجابة بأنه لا يمكن لأي عاقل أن يصدق بأنها لأسباب إنسانية، و إلا فأين كانت هذه الإنسانية التي يتحدثون عنها في الكثير من الجرائم في فلسطين المحتلة من قبل الكيان الإسرائيلي المحمي دوما بالفيتو الأمريكي؟ وأين هذه المشاعر عن ما يجري في العراق والصومال وأفغانستان؟ وأين كانت مما حدث في منطقة البلقان وتحديدا في البوسنة والهرسك قبل عدة أعوام؟ وأين هي الآن من المجاعات والكوارث الطبيعية التي تطحن الملايين من البشر في كل من أفريقيا وأسيا وأمريكا الجنوبية على مدار العام؟ ولو كانت أسباب التدخل لأسباب إنسانية كما بقولون أو يروجون فلماذا لا تقدم الدول الأوروبية وأمريكا دعما فورياً ووافراً لأهل دار فور وتنتهي المشكلة؟ إذاً هل التدخل لتحقيق العدالة؟ إذا كان الجواب بنعم، فأين هم من تحقيق العدالة في المناطق السابق الإشارة إليها؟ لماذا تهتم أمريكا وبريطانيا بإنسان دار فور من قبل؟ هل الآن الإنسانية أصبحت تقطر من قلبيهما يا ترى؟ وأين كانت هذه الإنسانية من قبل لأن الوضع بدار فور ليس بالجديد؟ هل مشكلة دار فور ذات جذور عميقة وأساسها المشاكل التي تحدث بين الرعاة والمزارعين والتي كانت تحل من قبل عن طريق قيادات القبائل المتنازعة وساهم في تفاقمها الحروب في المنطقة وادي ذلك إلي توفر السلاح الناري في أيدي أبناء القبائل؟ هل قصة دار فور باختصار معركة على الرعي في ارض جدباء وقفت فيها الحكومة السودانية إلى جانب فريق، وسمحت بتسليحهم، وصارت تساوم على قضيتهم لقاء تنازلات سياسية لم تحصل عليها في اتفاق حرب الجنوب ؟ ولماذا العمل المستمر من قبل الإعلام الغربي على تصوير مشكلة دار فور على أنها حرب القبائل العربية ضد القبائل الأفريقية؟ ومن الذي يمد حركات دار فور المسلحة بالمال والسلاح ؟ ومن أين يأتون بتكاليف الإقامة الباهظة في فنادق الخمسة نجوم في دول أوربا وأمريك؟ ومن أين لهم بتذاكر الطيران على الدرجة الأولى؟ ومن الذي يساند ويمد قبائل (الجاجويد) كذلك بالمال والسلاح؟ ثم لماذا الدول الغربية وتحديداً أمريكا مهتمون بهذه القضية؟ لو كانوا فعلا يريدون سلاما في دار فور لأرغموا الحركات المسلحة التي لم توقع على اتفاق ابوجا على الانضمام لهذه الاتفاقية؟ ولكن لأمر في نفس هذه الدول وأجندتها ورغبة منها في أن يكون هذا الإقليم متأججا على الدوام. ثم هل هو صراع ثقافي وليس صراع على الموارد؟ ثم هل الصراع في دار فور هو صراع دولي على النفط؟ خصوصاً وإن تقارير صحفية تحدثت عن كشوفات نفطية في دارفور علاوة على وجود مؤشرات قوية لوجود يورانيوم في المنطقة ذاتها بحسب خبراء غربيين . إذاً هل ظهور النفط ومعادن أخرى في هذا الإقليم يمكننا اعتباره السبب؟ ربما ذلك صحيحاً لآن هذا الموضوع لم يعد سرا فالتقارير الأمريكية السياسية منها والاقتصادية على وجه التحديد تثبت بأن نفط دارفور هو الهدف من كل تلك الزوبعة وإثارة الأزمة بدواعي إنسانية وإيقاف المذابح والانتهاكات التي تحدث ضد أبناء دارفور وإن على المجتمع الدولي أن يتدخل ويوقف تلك الانتهاكات وتدمير القرى ونهب الممتلكات وقتل النساء والأطفال وتشريد المواطنين. ما يمكننا قوله والتأكيد عليه بأن أميركا والغرب لا يعملون إلا وفقا لمصالحهم وأهدافهم فقط وهم يستغلون مواقع الصراعات في مختلف دول العالم لمصلحتهم . إذاً موضوع التدخل الأمريكي والأوروبي في ً دارفور يطرح المزيد من الأسئلة. هل أمريكا ومعها بعض الدول لأوربية حريصون كل الحرص على حل تلك المسألة الأفريقية البحتة وقضايا حقوق الإنسان المفتعلة؟ ثم هل لدخول الصين وبقوة للقارة الأفريقية وتحديدا في السوق السوداني له علاقة بما يجري في الإقليم المستهدف؟ وهل تعني السيطرة على السودان من خلال المشروع الأمريكي في دار فور إلغاء أدوار جيران السودان كأنظمة ؟ علي ما يبدو لا تزال الكثير من الحقائق غائبة أو مغيبة فهؤلاء لهم أجندتهم الخاصة ونحن لا نستطيع أن نقول أن ليس لهم أطماعا في المنطقة وهناك توجه محموم في أفريقيا وخاصة بعد بروز الصين كدولة منافسة في القارة وان هؤلاء القوم يخططون لمئات الأعوام ضمانا للمستقبل. أضف إلي ذلك, لماذا تحرض المنظمات اليهودية في أميركا على التظاهر من أجل قضية دار فور؟ أحرصا على الدم المسلم المسكين في السودان؟ بالفعل شيء في منتهى الغرابة ما نشاهده في مكان وما نسكت عنه أيضا في مكان آخر. ثم هل السودان يشكل بالنسبة لأمريكا أرضا خصبة للانطلاق إلى قلب القارة الإفريقية؟ في حال نجح المخطط الأمريكي في السيطرة على دارفورماذا سيعني ذلك :`هل سيعني ذلك سيطرة أمريكا على احتياطي النفط السوداني الضخم الذي قدره بعض الخبراء بما يوازي الاحتياط النفطي للسعودية؟ هل سيعني حرمان القوى الدولية الكبرى لا سيما فرنسا من إحكام السيطرة على بحيرة النفط التي تمتد من دارفور وحتى مالي مرورا بإفريقيا الوسطي وتشاد والكاميرون؟ وهل يعني ذلك أيضاً حرمان شركات النفط من بسط نفوذها في تلك البحيرة من أمثلة شركات النفط الصينية والماليزية والفرنسية لاسيما وأن شركة شيفرون النفطية الأمريكية كانت أولى الشركات التي اكتشفت وجود النفط بغزارة في هذه المنطقة .وهل يعني ذلك السيطرة على الصناعة الصمغية بغرب السودان و خصوصا إن أمريكيا هي المستورد الأول لهذا المنتج الحيوي. وهل يعني ذلك منع الصين من إيجاد موطئ قدم لها من الناحية العسكرية والاستراتيجية عبر صداقتها مع السودان؟ وهل يعني ذلك تأمين طريق نفطي آمن وسهل عبر الأطلسي الذي سيجاور صناعة نفطية واعدة في دول الغرب الإفريقي الممتدة من دار فور وحتى مالي والنيجر؟وهل يعني ذلك تعبيد الطريق أمام توغل أمريكي جديد في إفريقيا واستلاب فرنسا نفوذها الاستعماري البائد بعدما فعلت نفس الشيء عبر التدخل في رواندا وبوروندي بعد المذابح التي جرت فيهما, لتحقيق أهدافها العسكرية والاقتصادية في القرن الأمريكي الجديد. عموما ما يمكننا قوله إن موضوع إنسان دارفور قصة الحرب في دار تجعل الحليم حيرانا. هذه المرة ليس من أجل سواد لون السودانيين، ولكن من أجل النفط الأسود و اليورانيوم في دار فور. خلاصة القول طرح الاهتمام الغربي الواسع بقضية دارفور غربي السودان تساؤلات حول موارد المنطقة بالإضافة إلى إبرازه مرة أخرى ملف الصراع الثقافي في منطقة شرق ووسط إفريقيا. ويتساءل المرء عن الأسباب وراء تمسك اأمريكا بالتدخل مباشرة في مناطق وبلدان معينة، وعزوفها عن التدخل في مناطق أخرى شهدت مآس إنسانية كبرى، لتكمن الإجابة في كلمة واحدة وهي النفط باعتباره عامل أساسي في القضية، وإن كان خفياً وراء الاهتمام الدولي الأمريكي والفرنسي والبريطاني بالاهتمام بمأساة دار فور، خصوصاً وأن تلك الدول ليست مؤسسات خيرية إنسانية، تحديداً لصالح شعوب غريبة عنها، بل مؤسسات تلهث وتجري وراء السيطرة والنفط والنفوذ. إذاً ما يجري اليوم في دارفور في غربي السودان ، ليس حرباً بالمعنى الدقيق للكلمة، إلا أنه يحمل كل عناصر الصراع الأهلي، مربوطاً بشكل وثيق بشكل من أشكال التمرد الداخلي، إضافة إلى ما يمكن وصفه بسوء الإدارة الشديد من جانب السلطة. واخبرا نتساءل هل يعيد النفط السلام إلى دار فور؟ |
|
| آخر تحديث ( 19/12/2008 ) |